مترجم: الأيام الأخيرة لعاصمة (داعش).. موت من كل الجهات

004.jpg

نيويورك تايمز

كلّ بضع دقائق، دويٌّ يصمُّ الآذان؛ يليه صافرة المدفعية، وأحيانًا، هدير شاحنةٍ صغيرة مليئة بالجنود، تتقدم إلى خط الجبهة. كان هذا الحي، في الجهة الغربية من الرقة، عاصمة الأمر الواقع لـ (داعش)، حيث التقيت حسن هاشم رمضان، يوم الخميس أواخر آب/ أغسطس.

كان قد احتُجز وجُلد ثلاث مراتٍ، أثناء حكم (داعش) لمدينته، إما لأنَّ لحيته قصيرةٌ جدًا أو أنَّ بنطاله لم يكن قصيرًا بما فيه الكفاية. وعندما حاول الفرار، عبْر نهر الفرات، عَبَرَ تحت تهديد السلاح إلى وسط المدينة. وأخيرًا، صباح يوم الثلاثاء من آب/ أغسطس، أُصيب شقيقه بشظايا من قواتٍ تقاتل (داعش). حمله السيد رمضان بين ذراعيه، أولًا إلى المستشفى، ثم إلى القبر، وبعدها هرب.

“في الأيام الأخيرة، كنتُ فقط آخذُ الجرحى إلى المستشفى، أو أدفن الموتى. هذا كلُّ ما كنتُ أفعله”. قال رمضان.

كان واحدًا من عشرات الناس الذين وصفوا لي الحياة، في الأيام المتناقصة، لعاصمة “الخلافة”، وهي القلب الرمزي للأراضي التي سعتْ (داعش) إلى تحويلها إلى شكلها الوحشي، من حكم الله على الأرض.

تحاصر القوات العسكرية الأميركية وحلفاؤها المدينةَ، مستعيدةً -كما يقولون- أكثر من نصفها. بينما تتراجع “الدولة الإسلامية”، والمعروفة أيضا باسم (داعش)، ولكنْ ليس من دون قتالٍ عنيد، وتحاصر المدنيين في الجيوب القليلة المتبقية.

لا يزال أقلُّ من 25 ألف مدني موجودون في مدينةٍ، كان يبلغ عدد سكانها 300 ألف نسمة. ووصف أولئك الذين فرّوا من الضربات الجوية، ونيران المدفعية، والألغام الأرضية، بأنَّ الموت يغطي كل طرق الخروج، فضلًا عن العطش، حيث لا يوجد الكثير من المياه للشرب داخل المدينة.

التقيتهم، خلال رحلةٍ استمرت ستة أيامٍ، من المنطقة الكردية في العراق إلى شمال شرق سورية. كانوا يعيشون في خوفٍ وعدم يقين، إما على طول الطرق المفخخة التي تخرجك من وسط المدينة، أو في معبرٍ مؤقت، لمدة ساعتين ونصف الساعة في الشمال، أو كانوا يرقدون على أسرّة المستشفيات في الشمال البعيد، كانت أجسادهم محطمة.

طبيبٌ، وخيّاطة، وأطفال، تم تجميد حياتهم في حالةٍ من حرمان فظيع. لم يستطيعوا أن يقولوا أين سيذهبون بعد ذلك، أو تحت أيّ حُكمٍ سيعيشون.

في حي غربي الرقة، حيث تمَّ مؤخرًا طرد (داعش)، وُضعتْ “فوزا حميدي” على فراشٍ على أرضية منزل شقيقتها، متكومةً من الألم، كانت قد حاولت الخروج من الرقة قبل أسابيع؛ ولكن امرأةً أمامها داستْ على لغمٍ، ففارقت الحياة فورًا. مزقتْ الشظايا ظهر السيدة حميدي، ورجليها، وقام قناصٌ من (داعش) بإطلاق النار عليها، ثم قام مقاتلو (داعش) باحتجازها، في سجنٍ مؤقت. وأضافت: إنَّ ضحايا الألغام البرية يُدفنون على عجل. قالت: “ما تزال رائحة الموت في أنفي”.

ظهرت امرأتان في المنزل لتخبرا بقصصهما، قالت إحداهن: إنَّ (داعش) قطعت رأس زوجها لأنه ساعد عائلةً مسيحية في الهرب. وأرتني الأخرى يدَها المتورمة. قام رجل من (داعش) بضرب معصمها بكعب بندقيته، وكسر عظامها. وجريمتها أنَّها كانت في السوق، من دون أن تضع غطاء الوجه بالكامل.

في الخارج، قال شابٌ: قُطِع رأس والدي بتهمة التآمر بالانضمام إلى ميليشيا ضد (داعش). كان يعرف الرجلَ الذي فعل ذلك. “لماذا لا تقتله؟” سأله جارُه معنفًا. فردَّ عليه: “دعه يغادر المدينة، وسأفعلُ.. سوف أذبحه”.

كان الحي مهجورًا إلى حدٍّ كبير. وقد تمَّ تحويل مدرسةٍ ابتدائية إلى قاعدةٍ عسكرية، من قبل حلفاء الولايات المتحدة الرئيسين الذين يقاتلون (داعش): الميليشيات الكردية والعربية المعروفة باسم “قوات سورية الديمقراطية”، أو (قسد).

في منتصف النهار، ارتفعت درجات الحرارة أكثر من 104 درجة فهرنهايت. يمكنك أنْ تسمع هدير طائرةٍ مقاتلة تحلّق فوق المدينة، تليها ضربة، ثم يرتفع عمود من الدخان الأبيض، وينتشر في السماء الزرقاء الصافية.

تشكّل الضربات الجوية الأميركية خطرًا جديدًا على المدنيين، إذ إنها أسفرت عن مقتل ما يقدَّر بنحو 800 شخصٍ، منذ بدء الهجوم الذي يقوم به التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على المدينة في حزيران/ يونيو، وفقًا للمرصد السوري، وهو مجموعةٌ مستقلة، وأكثر من 150 شخصًا، في آب/ أغسطس وحده، وفقًا الأمم المتحدة.

أولئك الذين يتمكنون من الخروج، في كثير من الأحيان تكون نظراتهم مسمّرةً ومسكونة بالأشباح. تهاجمهم الذكريات الجيدة والسيئة.

عاشت خولة الخلف، وهي خيّاطةٌ، بالقرب من ساحة نعيم، حيث كانت العائلات تتنزه عند الغروب، بينما أغاني فيروز تنطلق عبر مكبرات الصوت. الآن، لا تفكر خولة إلا بالرؤوس التي عُرضت مكدسةً هناك. ومن بين تلك الرؤوس، رأس أحد أقارب زوجها، وهو إمامٌ في مسجد المدينة الذي تحدى مراسيم (داعش). قالت: “لم تعدْ تسمى ساحة نعيم، صارت تسمى ساحة جحيم”. خلال عام، انتقلت هي وأسرتها من مدينةٍ إلى أخرى.

أضافت: “أتمنى لو أننا مُتنا في عام 2010 بدلًا من أنْ نتعرض لذلٍ مثل هذا”. نظرتْ إلى الطريق الوعر الذي يوصل إلى خيمة فارغة مخصصة لأسرتها، خارج حدود المدينة؛ فرأت جنازة مقاتل كردي تتقدم في الطريق.

مع حلول المساء، تقدمت قافلةٌ من ناقلات الجنود المدرعة إلى خط المواجهة، تحمل قواتٍ أميركية. ولم تشرْ إدارة ترامب إلى عدد القوات المنتشرة في سورية، ولكنك تراهم في شمال سورية، من ضفاف نهر دجلة في أقصى زاوية شرقية، وعلى طول الحدود مع تركيا، وصولًا إلى الرقة.

للعيش في منطقة الحرب، لا بدَّ من معايرة سلوكك وفقًا لقواعد الرجال المسلحين الذين يحكمون الرقعة التي تعيش فيها. عليك أنْ تهتمَ بلون وشاح الرأس الذي يمكنك ارتداؤه، أو بطول بنطالك.

إذا كنتَ من الرجال الذين يخرجون، من أراضي (داعش) إلى معسكر العبور، في بلدة عين عيسى التي تسيطر عليها (قوات سورية الديمقراطية)، على بُعد ساعتين ونصف بالسيارة، شمال مدينة الرقة؛ فإن أحدَ الأعمال الأولى التي ستقوم بها هو أنْ تدخل إلى دكان حلاق.

كان أقرباء عبد الله رجالًا طوال القامة، عريضي المناكب بلحى كثةً غير مرتبة، تخفي أعناقهم، يجلسون على الكرسي، واحدًا تلو الآخر. هربوا من دير الزور، وهي مدينة أخرى على نهر الفرات، حيث ادعى الجيش السوري أنَّه قد كسر حصار (داعش) هذا الأسبوع. وقال الرجال إنَّهم تركوا زوجاتهم، وأطفالهم وراءهم، لأنّ من المستحيل على الأسرة المشي طوال الليل. وقال محمود عبد الله (38 عامًا) وهو سائق شاحنة: “كنت أبكي، وزوجتي كانت تبكي”. حافَظَ فقط على شاربيه.. لحيته صارت على الأرض.

ابن عمه، “خلف”، تخلصَ من كلِّ شيء. وقال إنَّه لم يحلقْ منذ ستة أشهر، طاعةً لمراسيم (داعش). قال خلف: “ظاهريًا، كنت أفعل كلَّ ما يطلبونه”.

كان من المستحيل معرفة منْ بين الرجال في محل الحلاقة، إنْ وُجد، يُتهم بالانتماء إلى (داعش). المتحدث باسم (قوات سورية الديمقراطية)، مصطفى بالي قال: إنَّ قواته اعتقلت العديد من أعضاء (داعش) الذين يحاولون الاندماج بين المدنيين المشردين.

شابٌ، يدعى “عليّ”، أراد أن يحافظ على خط رفيع من لحيته على طول فكه، متحديًّا قواعد (داعش). وقال: “هناك، حتى وجهك ليس لك”. وأضاف: “إنهم يريدون التحكم بك”.

ينتهي العديد من الجرحى الذين يهربون من الرقة إلى المستشفى في تل أبيض، على بعد ساعتين بالسيارة شمالًا، حيث احتجزت (داعش) سجناءها في قفص، عند دائرة المرور الرئيسة.

وقد حذرّتْ منظمة “أطباء بلا حدود” -وهي مجموعة مساعدة تعالج الجرحى هنا- من أنَّ العديد من الجرحى قد يكونون محاصرين داخل المدينة، غير قادرين على الهروب. وبحلول الوقت الذي يصلون فيه -تقول المنظمة- تكونُ جروحهم بليغة، ومن الصعب إنقاذ أطرافهم.

بعضهم يجد وجهًا مألوفا في الدكتور محمد أحمد صالح، المدير السابق للمستشفى الحكومي في الرقة الذي عمل لأكثر من عامٍ، في ظلِّ حكم (داعش)، قال: “كانت بنادقهم دائمًا فوق رؤوسنا”. مثل الكثير من أهل الرقة، كان الاضطراب مرسومًا على وجهه: شعرٌ أشيب متطاير، وشعيرات وجهه أيضًا، وعيناه محمومتان.

وقال: “في أيّ وقتٍ يمكنهم قطع رأسك”. وأضاف: “حاولتُ مناقشة الأمور معهم. إنَّهم لا يؤمنون بأيّ شيءٍ مخالفٍ لما يؤمنون به، حتى لو كان حقائق”.

في مدخل المستشفى، جلست امرأةٌ شابة على نقالة، ساقها المحطمة ترفعها حمالة معدنية. كانت داخل خيمةٍ على ضفاف نهر الفرات، عندما تعرضت لقصفٍ جوي.

في كلِّ غرف الانعاش تقريبًا، هناك أطفالٌ. وغالبًا ما يكونون أول من يكتشف القنابل المنزلية الصنع، في الألعاب، وأباريق الشاي، وتحت السجادة.

جلست فتاةٌ تبلغ من العمر 6 سنوات، اسمها جودي، منتصبةً في السرير، ظهرها وبطنها مزقتهما شظايا لغمٍ أرضي؛ وتوفي إخوتها الثلاثة معًا.

فتاةٌ عمرها 4 سنوات، اسمها عهد، تضع رأسها على حضن أمها. خرجوا من الرقة، فجر اليوم السابق، عندما سمعوا انفجارًا قويًّا. انكسرت الساق اليمنى للفتاة. وكان والدها قد توفي قبل أيامٍ في غارةٍ جوية.

تتنقل أمٌ أخرى من سريرٍ إلى آخر. لقد أصيب خمسة من بناتها في الانفجار نفسه. تجمّع الأطباء حول سريرٍ آخر، ينقلون الأخبار إلى رجلٍ يستيقظ، بعد عملية جراحية. أخبروه بأنَّ زوجته ماتت أثناء محاولتهم الفرار من الرقة، وأنَّ عليهم بتر ساقيه. ابنته البالغة من العمر 5 سنواتٍ، تقبع في السرير المجاور، نائمةً. كُسرت ساقها اليسرى أيضًا. الخبر السار هو قولُ الأطباء إنهم تمكّنوا من إنقاذها.

ترجمة: جيرون

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

twenty − fourteen =

 

Top