ورقة الدول الخمس، تقدير موقف

Jordan.jpg

“ورقة غير رسمية بشأن إحياء العملية السياسية في جنيف بشأن سورية”، كان هذا عنوان الورقة التي نتجت عن اجتماع باريس 23/1/2018 للدول الخمس: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، السعودية، الأردن، وجرى تسريب مقصود للورقة صبيحة يوم 26/1/2018 ختام جولة فيينا للمفاوضات.

الهدف الأول من التسريب كان دفع هيئة التفاوض المعارضة لاتخاذ قرار بمقاطعة مؤتمر سوتشي الذي دعت إليه الدول الضامنة الثلاث في مسار أستانا: روسيا، تركيا، إيران، والهدف الثاني كان أن توضع هذه الورقة موضع التنفيذ بعد قطع الطريق على سوتشي وإفشاله.

الدرس الأول المستفاد من اجتماع باريس، أنه لا حل سياسي خارج مسار جنيف والقرارات الدولية، والدرس الثاني، أنه لا حل برعاية روسية منفردة، بل يجب أن يكون برعاية الأمم المتحدة، وبمشاركة جميع الأطراف الدولية ذات الصلة.

على هيئة التفاوض التركيز فقط على مسار جنيف، وعدم الالتفات إلى مسارات أخرى، لم يكن لها أن تنشغل بمناقشتها مطلقاً، ومثل هيئة التفاوض كذلك مكوناتها بدءاً بالائتلاف الوطني، وانتهاء بفصائل مسار أستانا.

ورقة الدول الخمس ليست أفضل من سوتشي، وليست بعيدة عن أهدافه ومخرجاته عموماً، فهي تتماهى معه في التركيز على قضيتي الدستور والانتخابات، فقط هي تحجّم الدور الروسي، وتعطي دوراً أكبر للأمم المتحدة في إدارة العملية السياسية.

تأتي الورقة عقب غياب أمريكي عن المشهد السياسي السوري آخر سنتين: 2016 من حقبة أوباما، و2017 للإدارة الجديدة لترامب، اضطر خلالها دي مستورا للسير في ركاب الروس، والانصياع لتوجهاتهم السياسية، والانخراط مكرهاً في أستانا رغم انتقاصها لدوره ومكانته كمبعوث للأمم المتحدة.

أودعت الدول الخمس هذه الورقة في عهدة المبعوث الخاص كما تقول: ” لوضع مسار للمحادثات المستقبلية في جنيف”، وأودعت فيها أربع توصيات رئيسية، وطلبت من الفريق الأممي العمل عليها.

التوصية الأولى: “نوصي في مفاوضات جنيف الابتعاد عن أسلوب الجولات ، والاتجاه إلى عملية سياسية متواصلة، مع تمكين المبعوث الخاص للأمم المتحدة من دعوة الأطراف حسب الحاجة للمشاركة الفاعلة ضمن فرق عمل تركز على الدستور والانتخابات وغيرها من القضايا حسب مناسبتها، وسيرافق ذلك مجموعات عمل تركز على وضع تدابير بناء الثقة مثل ملف المحتجزين، وإعادة تفعيل فرق العمل المعنية بوقف إطلاق النار، وايصال المساعدات الإنسانية”.

تدخل الورقة إلى صلب الخط الروسي بطريقة مباشرة، في أهم قضيتين تطرحهما روسيا:

  • إلغاء الحديث عن الانتقال السياسي عبر تشكيل هيئة الحكم الانتقالية كاملة السلطات التنفيذية، والتي تقود المرحلة الانتقالية، وتهيئ البيئة الآمنة والمحايدة لصياغة الدستور الجديد، وإجراء الانتخابات على أساسه، وتتطابق الورقة هنا مع الرؤية الروسية في أن ذلك يكون مع استمرار النظام القائم، لكن تذكر الورقة وجود “حاجة إلى تغييرات ملموسة في نظام الحكم من أجل تهيئة بيئة آمنة يمكن فيها إجراء انتخابات ذات مصداقية يمكن للجميع المشاركة فيها بحرية دون خوف من الانتقام”.
  • تقليص دور هيئة التفاوض التي يعترض الروس عليها، والتي قال عنها لافروف معرض حديثه عن سياسات بلاده لعام 2107 “جاءت العملية في جنيف إلى طريق مسدود مرة أخرى. عند إنشاء المملكة العربية السعودية وفداً يضم ممثلين من المجموعات الثلاث – الرياض والقاهرة وموسكو – شاهدنا هذا كبيرة خطوة إلى الأمام، حتى على الرغم من أن الأفراد الذين اختيروا لقيادة الوفد المشترك قدموا إنذارات غير مقبولة في محاولة لتشويه سمعة زملائنا السعوديين، الذين أكدوا لنا، تماما مثل ما أكد لنا مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لسوريا ستافان دي ميستورا، أن الوفد سيصل إلى جنيف دون أية شروط مسبقة لإجراء محادثات مباشرة مع “الحكومة السورية”. لقد خدع زعماء المعارضة هؤلاء السيد ستافان دي ميستورا، وللأسف، أيضا خدعوا شركاءنا السعوديين. وآمل أنه سوف تتخذ الجهود الآن لتغيير هذا الوضع”.

الورقة تراعي الاعتراض الروسي بشكل واضح، بتوصيتها التوقف عن الجولات التفاوضية الفردية التي تعني وجود وفدين مفاوضين للنظام وللهيئة، وتطلب من دي مستورا فتح عملية سياسية متواصلة، ودعوة كل من يراه مناسباً للمشاركة فيها، وتجاوز دور هيئة التفاوض الذي كانت تقوم به في الجولات الماضية.

الناحية الإيجابية في هذه التوصية أنها تُلغي مسار أستانا، وتطلب من دي مستورا نقل ملفاته بالكامل إلى جنيف، حين تطلب منه فتح ” مجموعات عمل تركز على وضع تدابير بناء الثقة مثل ملف المحتجزين، وإعادة تفعيل فرق العمل المعنية بوقف إطلاق النار، وايصال المساعدات الإنسانية”.

التوصية الثانية: “نوصي المبعوث الخاص للأمم المتحدة أن يعمل على تركيز جهود الأطراف على ما يلي:

  1. مضمون الدستور المعدّل
  2. الوسائل العملية للانتخابات التي تشرف عليها الأمم المتحدة
  3. خلق بيئة آمنة ومحايدة في سورية يمكن أن تجرى فيها هذه الانتخابات بما في ذلك الحملات الانتخابية دون خوف من الانتقام والعمل على إدراج مسالة التصويت للسوريين في الخارج”.

البند الأول والثاني هما مضمون التوصية الثالثة والرابعة، والبند الثالث سيُفرد له عنوان خاص في ختام الورقة.

لتنفيذ هذه التوصية تقول الورقة: “ينبغي لجميع الأطراف الخارجية للعملية السياسية أن تشجع وفود المعارضة والحكومة على المشاركة بشكل جدي في المحادثات، وأن تركز بشكل مباشر على هذه المواضيع، وأن تترك جانبا على الأقل في البداية مسائل أخرى”.

وأنه “بعد إجراء مشاورات مع الأطراف ينبغي للمبعوث الخاص أن يعدّ الوثائق التي تحدد القواسم المشتركة والتطلعات العملية بشأن هذه المسائل والمكونات التي يتم تغطيتها في مجموعات العمل، وقبل توزيع المسودات ينبغي له أن يتشاور مع الولايات المتحدة والمجموعة الصغيرة والأطراف الخارجية الرئيسية الأخرى فضلاً عن روسيا الاتحادية”.

المفهوم من هذه التوصية أن الدول ستمارس ضغوطاً كبيرة على النظام والمعارضة على حد سواء، للانخراط بشكل فعليّ هذه المرة في المحادثات، فإنها حتى ولو لم تتحول إلى مفاوضات مباشرة، فستكون كافية ليصوغ منها ديمستورا مسودات، يتوجّب عليه عرضها على الدول المعنيّة، ويبدو هذا لإيجاد تفاهم واتفاق حولها، تمهيداً لاستصدار قرار دولي جديد للحل السياسي.

مفهوم آخر محتمل: هو عدم انتظار خروج اتفاق بين النظام والمعارضة حول مواضيع التفاوض، قد يكون ذلك بسبب استبعاد حدوث اتفاق، تأسيساً على تجارب الجولات الثمان أو التسع الماضية، وأن المطلوب من دي مستورا التقاط “القواسم المشتركة” كما فعل في ورقة المبادئ، وورقة خلاصات الوسيط المتعلقة بالانتقال السياسي، مثل هذه الأوراق التي أقرتها تشاورية لوزان، ورفضتها الهيئة العليا للمفاوضات السابقة، يمكن جعلها وثائق رسمية ملزمة للمعارضة وللنظام، إذا حدث اتفاق دولي عليها، في خط يشبه بيان جنيف 2012، وبياني فيينا 2015.

التوصية الثالثة: “نوصي الأمم المتحدة أن تبدأ بالتركيز على المبادئ الدستورية العامة التي ستضع إطارا للمناقشات اللاحقة بشأن مضمون الدستور الجديد، أو نصّه الفعلي، أو الإصلاح الدستوري”، وهذه التوصية تتطابق تقريباً مع الرؤية الروسية في عدد من المبادئ كالّتي تتعلق بتقليص شيء من صلاحيات الرئيس، مقابل توسيع صلاحيات الحكومة، ووجود برلمانين للحكومة المركزية، وللأقاليم، وضمان الاستقلالية الكاملة للقضاة، والاقتصار على إصلاح قطاع الأمن دون التطرّق لإعادة هيكلته، وتفترق عنها في قضية اللامركزية فقط.

كذلك هي تتطابق مع الرؤية الروسية في آليات الوصول للدستور الجديد، لكن برعاية أممية، بدلاً عن مؤتمر سوتشي حيث تقترح أنه “وريثما يتمّ التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الخارجية الداعمة لأطراف النزاع في سورية يمكن للأمم المتحدة أن تنتقل إلى عملية صياغة الدستور، ومن المحتمل تشكيل لجنة من الخبراء الدستوريين للقيام بذلك، أو إنشاء حوار وطني حر وشامل تحت إشراف وإدارة الأمم المتحدة كعامل مساعد لعملية جنيف”.

فقرة صلاحيات الرئيس مهمة، فهي حين تمنعه من تسمية رئيس الوزراء والوزراء، وحق حل البرلمان، وترؤس مجلس القضاء الأعلى، فهي تنزع منه السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تاركة له بعض الصلاحيات البروتوكولية، وهذا الوضع سيكون مرضياً للروس والأمريكيين معاً، وللمعارضة بالمجمل، إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية، وهنا يجب على المعارضة تركيز عملها في منع ترشح الأسد للانتخابات، وملاحقته قضائيا كمجرم حرب، ومنع رموز النظام المدرجين على لوائح العقوبات الدولية كذلك من المشاركة في الحياة السياسية والبرلمانية والحكومية والعسكرية القادمة.

التوصية الرابعة: تضع المسؤولية الكاملة على الأمم المتحدة لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة كما هو الحال بالنسبة للمسائل الدستورية، وتسرد مجموعة عناصر للعملية الانتخابية، لكنها توصي “الأمم المتحدة أن تركز أولا على جوهر هذه العناصر وليس على العملية التي يتم من خلالها صياغتها واعتمادها رسميا”، وتعيد التأكيد على استصدار قرار دولي يمنح الأمم المتحدة “مهام إشرافية قوية”، و “دور في كافة العمليات اليومية المتعلقة بإدارة الانتخابات والشكاوى الانتخابية وعملية تسجيل الناخبين”، و “دور في اتخاذ القرارات التنفيذية لهيئة الانتخابات ومعالجة الشكاوى الانتخابية”، والأهم من ذلك كله منحها حق” إقرار نتائج الانتخابات والاستفتاءات خلال المرحلة الانتقالية في حال كانت الانتخابات قد استوفت المعايير المطلوبة”، أو رفض هذه النتائج بالطبع حال خلاف ذلك.

تختتم الورقة “بعرض العناصر التي تساهم في بيئة آمنة ومحايدة“، “لإجراء انتخابات حرة ونزيهة”، وهي التالية:

أ. مشاركة الأطراف السورية الحقيقية في عملية مفاوضات جنيف خاصة في القضايا الدستورية.

ب. الوقف الفعال للأعمال القتالية ورفع الحصار ووصول المساعدات الإنسانية الكاملة دون عوائق.

ج. تدابير بناء الثقة وخاصة في قطاع الأمن مثل الإفراج عن المعتقلين، وإيواء بعض الوحدات العسكرية والأمنية وغيرها من التدابير التي تضمن حيادية الجهاز الأمني.

د. انسحاب المليشيات الأجنبية والشروع في عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

ه. إتاحة فرص المشاركة في الانتخابات، وإصدار وثائق الهوية الأصلية، ووثائق حقوق الملكية”.

البند الأول يوحي بأن المعارضة مقبلة على تغييرات جذرية في بنيويتها، كما هو مطلب الروس المنقول عن لافروف قبل قليل، وأن المعارضة المشاركة في جنيف ينقصها الكثير لتكون هي المعارضة السورية الحقيقية.

في باقي بنود الفقرة، كيف سيتم ذلك؟ هذه أكبر عيوب الورقة، أنها لم تضع تصوراً عن آليات الوصول للبيئة الآمنة والمحايدة، والسبب واضح في عجزها هذا، فهي تصطدم هنا بوجود النظام بكامل سلطاته ومؤسساته، ومن المتوقع أن يماطل في توفير هذه العناصر لتعطيل الحل السياسي بالكامل، فمن السيادة الوطنية، إلى التدخل في الشؤون الداخلية، إلى سلسلة طويلة من المبررات لضمان بقائه لأطول فترة ممكنة، لعلّه يستطيع خلالها القضاء على ما يصفه “تمرداً مسلّحاً” عليه.

الخاتمة: الحل القادم سيكون عبر مشروع الدول الخمس، وبمشاركة روسيا وتركيا، والعديد من الدول الأخرى، وعلى هيئة التفاوض الحالية عقد اجتماعات مع الدول الخمس للاتفاق عليها.

الأمر الأخير للتذكير فقط مع أنه يمكن استنتاجه بسهولة من ورقة الدول الخمس، أن هناك إجماعاً دولياً على إسقاط هيئة الحكم الانتقالي، وانتهاء صلاحية بيان جنيف والقرار 2254، وهو ما أبلغته الأمم المتحدة لهيئة التفاوض في جولة جنيف8، وأن مجلس الأمن في طور إصدار قرار جديد بسقف منخفض يكون هو أساس الحل السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان + 6 =

 
Top