“ذي أتلانتيك “: عائلات علوية ضحى بهم الأسد

العائلات-التي-ضحت-من-أجل-الأسد.jpg

العائلات التي ضحت من أجل الأسد

تحدثت صحيفة “ذي أتلانتيك” في مقال ترجمه موقع “تطورات جنيف” عن الثمن الباهظ الذي دفعته عائلات سورية من أجل الدفاع عن بقاء بشار الأسد في السلطة، حيث نوه الكاتب إلى أن أحد أسباب قصف دوما بالكيماوي هو الضغط الذي واجهه بشار الأسد من أسر العلويين أعضاء طائفته المرتبطة بالشيعة، إذ يعتقد العديد منهم أن ” جيش الإسلام” يحتجز ما يصل إلى 7500 من الأسرى العلويين في دوما، فقد سلط الكاتب الضوء على الغضب الذي انتشر في صفوف عائلات المختطفين في دوما الذين اتهموا النظام ببيع أبنائهم.

وأشار إلى أن من “ضمن العلويين ضباط في الجيش، وجنود، ومدنيون اختطفهم الثوار أو أسروهم على مر السنين في محاولة لانتزاع تنازلات من النظام، رغم أن العلويين يمثلون نسبة صغيرة من البلد بشكل عام، فإنهم يشغلون مناصب رئيسة في النظام، ويسيطرون على الشرطة، ويزودون القوى المقاتلة الرئيسة المدافعة عن النظام منذ عام 2011، وفقدت العديد من عائلاتهم أحباءهم الذين لا يستطيع الأسد تحريرهم ومع ذلك يطلب المزيد من أبنائهم للقتال.

وخلال الحرب السورية التي دامت سبع سنوات، تحدثت مع العديد من العلويين الذين يشعرون بأنهم ضحوا بكل شيء للحفاظ على ما يقرب من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، فقد تأثر عملياً كل بيت في معاقل العلويين غرب سورية بالحرب التي يعتقد العديد منهم أنها تتعلق بإنقاذ الأسد بقدر ما تتعلق بالحفاظ على وجودهم، وتدعي رواية النظام أن الأغلبية المسلمة السنية التي ينتمي إليها الثوار تريد القضاء على الطائفة العلوية، لذا سارع العلويون للانضمام إلى الميليشيات الطائفية التي بدأت تتشكل مع انهيار صفوف الجيش بسبب الانشقاقات، لكن يبدو أن الأسد كان دائماً أكثر اهتماماً بالميليشيات الشيعية الإيرانية، بما في ذلك مقاتلي حزب الله الذين تدفقوا إلى ساحة المعركة لإنقاذه.

وأورد المقال “منذ اتهام قوات النظام السوري بالهجوم بالأسلحة الكيماوية يوم السبت على”دوما” أكبر بلدة ثائرة بالقرب من دمشق لإرغامها على الاستسلام، ترقب العالم بقلق رد فعل الولايات المتحدة، حيث تحدث الرئيس دونالد ترامب في أعقاب الهجوم عن ثأر وشيك ووجّه كلمات صارمة لبشار الأسد، ولراعيته روسيا. ثمّ غرّد لاحقاً: إن أي هجوم قادم قد يكون “قريبا جداً أو قد لا يكون قريباً جداً”، ومع ذلك تابع ترامب تهديداته بأنّ أي هجوم كيماوي واسع النطاق في سورية سيواجه برد وإن كان محدوداً.
وبالنظر إلى العواقب الوخيمة التي قد يواجهها الأسد وحلفاؤه فإنه من غير الواضح لماذا خاطر باستخدام الأسلحة الكيماوية، خاصةً عندما أعلن نظامه النصر في هجومه المدعوم من روسيا على الغوطة الشرقية التي تشمل دوما آخر معقل رئيسي للمعارضة بالقرب من دمشق، ما طرح العديد من التفسيرات للهجوم من ضمنها حاجة الأسد إلى مزيد من ترويع الشعب لإخضاعه إضافةً إلى رغبته في تحدي وإذلال الغرب العاجز.

إن قدرة الأسد على إعادتهم شرط أساسي للحفاظ على شرعيته في نظر هذه الدائرة الهامة، وهي حقيقة يدركها رعاته (إيران وروسيا)، إذ صرّح الاسد خلال اجتماع مع عائلات علوية يوم الثلاثاء: “لن نتخلى عن أي مفقود او مختطف وسنفعل كل ما في وسعنا لإطلاق سراحه إن كان لا يزال على قيد الحياة”، و بالنسبة إلى الأسد فإن البرهنة على تضامنه مع مجتمعه قد يكون مصدر قلق له يفوق أي تداعيات تترتب على استخدامه للأسلحة الكيماوية. بالنظر إلى سجل الغرب المتردد في الرد على الهجمات السابقة، وتصميم حلفاء الأسد على حمايته، ورغبته الخاصة في تبرير أي فظاعة أو كذب مع الإفلات من العقاب، مع المنطق الوحشي لاعتقاده: “أن نظامه صنع ليبقى” لا سيما مع الريبة المتزايدة حول رد الفعل الأمريكي. رغم كل ما سبق فقد كان واضحاً في الفترة التي سبقت الهجوم بالأسلحة الكيماوية أن الأسد بحاجة ليثبت لمجتمعه الذي أنهكته الحرب مدى رغبته في إطلاق سراح مسجونيه. فلدى هذا الدكتاتور فهم غريزي للسرعة التي يمكن أن تنهار بها الأمور إذا ما انقلب العلويون عليه.
ويبدو أن الهجوم الأخير على الغوطة الشرقية الذي تلا ما يقرب من شهرين من حملة الأرض المحروقة المدعومة من روسيا ضد الثوار، كان من المتوقع أن يغير ذلك، خاصة وأن إيران وميليشياتها أخذت دور المتفرج حيث دعا العلويون والكثيرون داخل نظام الأسد إلى إلحاق أقصى قدر من الألم بالمعارضة لضمان إطلاق سراح السجناء.

كما خرج عشرات الآلاف من المقاتلين والمدنيين من الغوطة الشرقية عبر ممر آمن إلى إدلب معقل الثوار في الشمال خلال شهر آذار/ مارس، إذ تم ترتيب خروجهم في مفاوضات بين الروس والفصائل، حيث كان العلويون قلقين وغاضبين بينما كانوا يراقبونهم وهم يغادرون دون أن يتلقوا أي معلومات عن مصير إخوانهم المحتجزين لدى جيش الإسلام. لكن المفاوضات التي قادتها روسيا مع جيش الإسلام انهارت دون معلومات عن مصير الأسرى العلويين.

فيما يبدو حينها أن الأسد قرر أن الوقت قد حان للقيام بعمل متطرف، و استأنف النظام يوم الجمعة قصفه الشامل على دوما، وأصدر إنذاراً نهائياً للثوار مهدداً إياهم بالموت أو المجازر غير المسبوقة ما لم يتم الإفراج عن جميع السجناء العلويين أو كشف مصيرهم، ثم جاء الهجوم الكيماوي يوم السبت على دوما الذي استخدم فيه مزيج محتمل من غاز الأعصاب والكلور، لكن سرعان ما عاد جيش الإسلام إلى مائدة المفاوضات لمناقشة استسلام دوما وكان مصير الأسرى والمفقودين العلويين في أول بند على جدول الأعمال في تطور وفر ارتياحًا مؤقتًا للعائلات.

وهرعت الأمهات والزوجات العلويات والآباء العلويون إلى دمشق من مدنهم وقراهم غرب سورية متوقعين لم شملهم مع أحبائهم، لكن سرعان ما حل الغضب والإحباط محل الأمل عندما أطلق سراح 200 سجين علوي من دوما مساء الإثنين، وتفاقمت العواطف عندما أعلنت وسائل إعلام النظام الرسمية أن العدد النهائي للسجناء الأحياء الذين أطلق سراحهم من دوما هو 200 فقط. وأضافت: إن الرقم الذي بلغ 7500 كان “أخباراً مزيفة نشرت في محاولة لابتزاز الأموال من العائلات اليائسة”.

كذلك نظم مئات العلويين الغاضبين احتجاجًا عفوياً وسط دمشق يوم الاثنين في مشهد نادر ومدهش، إذ انطلقوا من قاعة محاضرات بجوار السفارة الروسية التي تحولت إلى منطقة انتظار للعائلات إلى إحدى أكثر تقاطعات المرور ازدحاماً في العاصمة، وطوقت قوات أمن النظام العصبية على الفور المنطقة بأكملها ودعت ممثلي وسائل الإعلام الرسمية لمواساة الناس والسماح لهم بالتنفيس، في حين منعت وسائل الإعلام غير الرسمية كما أخبرني أحد المراسلين المستقلين في دمشق والذي شهد المشهد.
“وعن معاناة العائلات العلوية قال الكاتب ، صرخت امرأة ترتدي نظارة سوداء وهي تلوح ببنطال جينز أمام الكاميرات، “لقد أحضرت هذا البنطال لابني ليرتديه عند إطلاق سراحه” إذ لم يظهر ابنها الجندي الذي كان في عداد المفقودين لمدة ست سنوات، وأضافت: “لم أعد أثق بوسائل الإعلام الحكومية التي كنت أثق بها” حاول المراسل التلفزيوني العلوي جعفر يونس تهدئتها قائلاً: “رجاء اهدئي يا خالة فنحن نتعامل مع جماعة إرهابية مسلحة لا يمكن الوثوق بالتزامها بعهودها ” في إشارة إلى جيش الإسلام، وأضاف: “شاهدتم جميعاً الضغط الذي مارسه الجيش السوري عليهم عندما حاولوا التراجع عن الصفقة “، واعترف مراسل علوي آخر، أنه ما يزال هناك ربما الآلاف من العلويين المختطفين والمفقودين في جميع أنحاء سورية، لكنهم ليسوا في الغوطة، حيث قال: “نريد قوائم تحتوي على أسماء المختطفين، سواء أكانوا موتى أم أحياء… نريد أن يصل صوتنا إلى السيد الرئيس بشار الأسد، إليه فقط.

بحلول ليل الإثنين، تم إقناع العائلات العلوية بمغادرة الشوارع والعودة إلى القاعة بعد أن أوقفوا حركة المرور، لكن غضبهم لم يهدأ، إذ صرخت إحدى الأمهات وهي تذرف دموعها: “ضباط [النظام] أوغاد، ووسائل الإعلام أوباش أيضاً ولا يقولون الحقيقة، ونريد أن نعرف مصير أبنائنا! بكم بعتوهم؟ ما المبلغ الذي حصلتم عليه مقابل دماء قتلانا؟ ما هو؟”

عبر العلويون عن هذه المشاعر عدة مرات خلال زيارتي التي استغرقت أسبوعين والتي شملت كلاً من ريف حماة والمناطق الغربية الساحلية في اللاذقية وطرطوس في صيف عام 2014. أخبرتني الأمهات والزوجات أنهن يعلمن أن أحباءهن محتجزين في دوما، وأرادوا من الأسد أن يفعل المزيد لإخراجهم.، وبدا الأسد لهنّ لا مبالياً للغاية ومنشغلاً فقط بإظهار نفسه كرئيس لجميع السوريين، وليس مجرد زعيم للعلويين.

و أخبرني”محمد جابر” أحد قادة الميليشيات المقرب من شقيق الأسد المتوحش الواقف في الظل “ماهر” في مطلع عام 2013 أن الأسد لم يكن حاسماً مثل والده الراحل الذي حكم سورية على مدى ثلاثة عقود وواجه تمردًا مشابهًا في الثمانينيات، حيث قال جابر: يجب أن “يبيد” بشار الثوار وأسرهم وخصوصاً في النواحي المحيطة بدمشق مثل الغوطة الشرقية كان ذلك قبل أشهر من أول هجوم كبير بالأسلحة الكيماوية على الغوطة الذي أودى بحياة حوالي 1400 شخص في صيف عام 2013 الذي ألقت الولايات المتحدة وحلفاؤها باللائمة فيه على النظام.

ولم تنته الحرب رغم استرداد الأسد الكثير من الأراضي التي خسرتها قواته في معاركها ضد الثوار، وبمرور الوقت مكنت العديد من قادة المليشيات العلويين وأمراء الحرب الذين يطالبون الأسد بمزيد من القسوة. إنّ الأسد بحاجة إلى هؤلاء الناس، على الأقل حتى الآن، ويعلم أن أي صدع كبير داخل مجتمعه العلوي قد يكلفه السلطة في الأجزاء التي يسيطر عليها من البلاد، حتى مع الدعم الكامل من قبل إيران وروسيا.

إلى أن ظهر الأسد حليق الذقن مرتدياً بنطال جينز ضيق وسترة خلال زيارته لجنوده على جبهة الغوطة الشرقية الشهر الماضي للتباهي بالنصر، وهو المهووس بإظهار نفسه كزعيم غير طائفي لجميع السوريين الذين يرون الصورة الكبيرة والتداعيات الأوسع للحرب. وخاطبهم قائلاً: “المعركة أكبر من سورية، أنتم الآن تخوضون حرب العالم، النضال العالمي، مع كل رصاصة تطلقونها على الإرهابيين فأنتم تغيرون ميزان القوى العالمي وكل سائق دبابة يتقدم متراً واحداً يغير خريطة العالم الجيوسياسية”.

وختم الكاتب بالقول: “لكن ما معنى توازن القوة والخرائط الجيوسياسية للعائلات العلوية التي قدّمت أبناءها لإبقاء الأسد في السلطة؟ إنّ المفارقة العجيبة هي أنّ التهديد الأكبر لسيطرة الأسد على السلطة بعد حرب دامت سبع سنوات أودت بحياة أكثر من نصف مليون شخص وشردت الملايين وشهدت صعود وإزاحة تنظيم الدولة وتدخل قوى أجنبية وإقليمية يمكن أن يأتي من مجتمعه العلوي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

14 + تسعة =

 
Top