الحل السحري

الحل-في-سورية.jpg

الحل في سورية

د. سماح هدايا​

بحسب الظروف والمعطيات القائمة، لا يمكن  توقّع  حلّ سحري عاجل ينقذ السوريين من هذه المحنة، لكنْ، ما يلوح في الافق من مرحلة جديدة قادمة، يحمل احتمالات كثيرة. ويوجب  التّفكير بطرق جديدة للعمل، لاسيما بعد توافر الخبرة من تجارب وتضحيات  السنوات السبع في الثورة السوريّة.

مازال  القرار بيد الشعب رغم كل الانحيازات العسكريّة لصالح العدوان، لأنه صاحب الحق. وأمام السوريين دربان لا ثالث لهما: إما الاستسلام  وقبول  الاحتلال والرضوخ للعبودية،  أو المقاومة بصف مرصوص من أجل  النجاة  والتحرر. لم يعد ممكنا التّلوّي بين الطرق بلا هدى؛  فاستقامة الموقف سمة المرحلة القادمة، والثقة بالمصداقيّة أساس الاصطفاف القادم .

قد يسأل السائل أين الضوء الذي يدفع للتفاؤل في هذا السرداب المظلم؟ حرب وقصف وتهجير  وفقر وخرائب وتغييب قسري واستسلام واقتتال داخلي وتخوين .

سؤال منطقي في منحى الحدث، لكن لا قيمة له في المنحى التاريخي؛ لأنّ التاريخ أكبر من البشر والفظائع. الحروب تذهب وتأتي، والعبرة دائما في الذين يبقون ويقبضون على اللحظة  ليصنعوا التاريخ مجددا. الشعوب عموما، في مثل هذه المرحلة، تفقد  البوصلة،  لكنّ النظر للتاريخ يعطي رؤية أخرى؛ فالمشهد  الحالي فصل من حرب طويلة  وكفاح محق، لأنّ  العرب مازالوا، منذ قرن،  يصارعون  مخاضا تاريخيا من أجل التحرر والنهضة. وهم الآن في عمق الحرب الكبرى؛ لذلك  يواجهون حربا مضادة ضخمة، فثوراتهم  وشعوبهم إذا انتصرت ستغير الواقع وتعيد رسم سياساته، ويمكن لها  أن تنتصر، عند تأطيرها  بعمل عقلاني  منظّم، وتوحّدها على هوية وطنيّة ناضجة.

إذا ماذا نحن فاعلون لأنفسنا؟

الشعب السوري في موقع  صعب للغاية في ذيول الصراعات الدوليّة وما ينتج عنها من حروب داخل سورية،  وفي عواقب إخفاقات  الجبهات العسكرية في الثورة، وما رافقها من فصائليّة وولاءات وتخييب وإحباط  ونزاعات بينيّة واتهامات، يتحمّل  نظام الاستبداد والعدوان الإيراني والروسي مسؤوليتها، لكن، هناك  مسؤولية  يتحمّلها الشعب السوري بمختلف توجهاته ومواقعه، ناجمة عن  خلل في الوعي الوطني والقيمي. الخسائر الكبيرة نتيجة منطقية لحرب غير متكافئة ولحربٍ  مضادة ضخمة. واقعيّا،  لا تتكرّس الهزيمة، إلا عندما يستسلم المدافعون عن حقهم ومصيرهم. هي  صدمة في الوعي تهز العقل  لإعادة النظر  والتبصّر  في  أفكار ومواقف ومسالك تم الانقياد لها والنهج على منوالها  من دون نقد ومراجعة.

عملية الخروج من هذه الحرب  العميقة  الشاملة لاسترداد الذات والدفاع عن الوجود، تستلزم إصلاح العمل والممارسات بالعقلنة لحل المشاكل والخلافات، والسير بوحي المصلحة الإنسانية والاجتماعية والوطنيّة للسوريين، وتحرير مواقع الثورة المختلفة من هيمنة المقاولين الفاسدين الذين استغلوا المتغيرات والواقع الجديد  ليتوافق  مع مصالحهم الذاتية.

تحديد المشاكل لإيجاد  حلول تسند المقاومة

-حل مشكلة الوعي الفكري: لا مشكلة في الأفكار والرؤى في سورية؛ فهي كثيرة؛ لكنّ  المشكلة في تجانسها وتنظيمها وتوظيفها واقعيا  لتطوير التفكير وحل المشاكل الفكرية والاجتماعية والسياسية السائدة وتحقيق التوازن والاتزان،  لاسيما فيما فرضته ظروف الحرب من إشكاليات حادة في قلب جو مفجوع انفجرت فيه كل المشاكل  والمتناقضات والأفكار اللاعقلانية بفعل الصدمة  والجهل  والفوضى فسهّلت سبل الاستغلال والاختراق والتيه. لذلك  هناك ضرورة لانتهاج التفكير العقلاني لحل هذه المشاكل وتقويم الطريق.

لسنا بحاجة لأعداد كثيرة من رجال ونساء يخزنون المعرفة النظريّة. نحن بحاجة للمّ هذا التشتت الفكري بمنهج  عقلاني نعمل وفقه ونؤطر خطابنا وحديثنا ومعرفتنا فيما يخص احتياجاتنا وأهدافنا. وذلك لا يكون من دون حامل أخلاقي يجري الحوار فيه والاتفاق عليه.  أحد وسائل المقاومة وجود هذا الحراك العملي المنظّم  للمختصين والعلماء والمفكرين والحكماء، ليقوم بالتّخطيط ورفع وعي المجتمع لمشاكله ولحلولها، وإنتاج  خطابات الثورة ومساقاتها المعرفيّة اللازمة، إضافة  لمراجعة المفاهيم  الراسخة وتوضيحها ومراجعة جدواها الواقعية.

-حل مشكلة  الوعي التاريخي: يبدأ من فهم  دقيق للواقع الحاضر والجذور التاريخية للمشاكل التي ثارت فيه. فالصراعات  الطائفية والمذهبيّىة والقومية، الآن، وليدة اصطفافات حاضرة لها روابط بهويات متصارعة تاريخيا، وإشكاليات من الماضي الموروث داخليا وخارجيا، لا معرفة دقيقة وموضوعيّة لظروفها وملابساتها التاريخية والجغرافيّة،  لذلك محاكمة الماضي لا تنفع، يجب معالجتها في ضوء الواقع العصري ضمن  منظور الجدوى والفائدة العامة وأسس الانتماء الوطني والهوية. شعب من دون هوية يؤمن بها،  يسهل أن  تلعب به القوى النافذة، وتستغل نقاط ضعفه ومتناقضاته بتفتيته لمجموعات وأقليّات وإثنيات وجماعات.  الوعي التاريخي يتطلب فهم الظروف الدولية والإقليميّة، والصراعات السياسية الدائرة فيها؛ فكل ذلك هو جزء من تشكيل الهوية وتحصينها.  اكتشاف ماهي نقاط الارتكاز التاريخية لتكوين الهوية، خارج صراع المكونات ومشاكل الأقلية والأكثرية، يمتّن لحمة المجتمع ويجعله كيانا متماسكا يمكن له أن يقاوم.

جميع من يحاربنا وبعض من  يصادقنا،  لديه هوية،  واستطاع البناء عليها سياسيا، وحارب لبناء هوية بلده، على الرغم من تعدّد الهويات الفرعيّة فيها.  إيران خليط من الأمم واللغات والديانات؛ لكنها تحمل اسم هوية إيران. تركيا خليط من قوميات وعروق وطوائف لكنها تحمل اسم هوية تركيا. إسرائيل  لديها هويات كثيرة من كل العالم، وتدعّي أنها أمة واحدة. روسيا التي تمتد على اكبر مساحة جغرافية كذلك.  أما السوريون  فتصدعات متواصلة في الهوية السياسية والفكرية والاجتماعيّة وصراخ ضد بعض وإقصاء للآخر، فكيف يمكن بناء جسم سياسي وانتصار عسكري في حال  كهذه، إن لم تتكون هوية تمسك بالصورة وتلم الأجزاء؟

لابد من تحديد إطار وطني جامع للشعب.  لايكفي أن نقول التنوع والمكونات وحقوق الأقلية والأكثرية. هذا يمكن معالجته سياسيا بشكل حقوقي عند إنشاء الدولة لاحقا. نحن الآن بحاجة لتحديد: من نحن الآن؟ وماذا نريد؟ وكيف نكون أمة منسجمة مع تاريخها ومكوناتها؟  وكيف يكون لنا وطن مستقل وحكم ديمقراطي غير فاسد ؟

-حل مشكلة غياب  القيادة والمرجعية الموثوقة

لم تسهم الحرب المضادة وحدها؛  بالعمل على تكسير المرجعيات، فقد عمل الضعف الذي حلّ  في بنية مرجعيات  المجتمع السوري  على  إسقاط مصداقيتها وكفاءتها في ظل الثورة والحرب، عندما  أعجزها أن تقدّم  الرؤية السليمة المقنعة للمجتمع وأن تواكب حالة التحولات والتغيرات السريعة، بل عرقلتها ووقفت ضد التغيير، وجاء موقفها الأخلاقي مشروخا داعما للقهر والعدوان،  مما  أفقد الشباب  الثقة  بمعظمها بعد انكشاف التعثّر الفكري  والقيمي في كل المواقع: القومية،  الدينية، السياسية، الاجتماعيّة، الثقافيّة.  ولو كانت المرجعيات مفيدة  قادرة على العطاء ما انكسرت في عين الجموع بهذا الشكل. نحن الآن بحاجة لمرجعيات جديدة  أصيلة يمكن تصديقها  والثقة بقدرتها على حل المشاكل الكثيرة المتكاثرة.

لا يمكن هزيمة شعب له منظومته الأخلاقية  والفكرية، وله مرجعيات ذات قيمة، يقاوم بناء على شرعيّة من أجل قيم الحرية والعدل، لكن، يمكن هزمه عندما لا تكون لديه هذه الركائز وعندما يقوم بتفكيك نفسه بشكل  تهديمي متواصل ويستسلم لعبث الآخرين به. فلا تسير المجتمعات الإنسانية بالمصالح الآنية والانفعالات والانتفاعات الضيقة.  هناك منظومة مبادىء  تقوم عليها وتستد إليها كرموز وأصول لا شك  في صواب مرجعيتها.

الفهم الواعي لتعقيدات المشكلة السورية

متغيرات كثيرة، تجعل من الصعوبة تكوين صورة دقيقة عن المستقبل القريب. هناك مؤشرات للأحداث القادمة.  حركة وصراعات كبيرة خلف الكواليس. وهناك تحضير  لمرحلة قادمة، قد تكون حربا واسعا. لأنّ دولاً كثيرة متورطة في الصراع و تشترك في صناعة الحل، وكانت وراء تعقيد المشكلة السورية.  يجب فهم أن الدول ليست جمعيات إنسانية وخيريّة تتدخل لتنقذ السوريين وتقدم لهم البلد على طبق من ذهب، هي ترسم سياساتها فيما يفيدها،  وهي منشغلة فيما يخص مصالحها. ولايعنيها إنقاذ سوريا، مادامت ستستفيد من الواقع الحاصل، ولا تكترث  كم سيموت من السوريين وكم سيكون حجم الدمار.  لذلك لا شيء أمام السوريين سوى  الاعتماد على ذاتهم والاستمرار  بالثورة وتعيدل مساراتها  التي اعوجّت،  من أجل التصدي لمختلف أشكال الاحتلال والعدوان والوصاية. الوعي التاريخي يفرض منطقا سياسيا يقوم  بالتحالفات الصحيحة. حتى  التعاطف من منطلق إنساني، له جانب  آخر ذو منفعة.

قوى الشعب الحرّة هي خلاصة التاريخ وصاحبة الشرعيّة الحقيقيّة ، تستطيع، عندما تعي جيدا واقعها السياسي وتتوحّد وتعمل، أن تدير معركة الشعب وفق مصالجه الوطنيّة.  التاريخ تصنعه الإرادات الواعية للتغيير والمدركة لجغرافيّة الأحداث وتطوراتها.

خاتمة

المقاومة  بصفٍ مرصوص من أجل  النجاة.

أحد التيارين المتناقضين اللذين  يتصارعان في المشهد السوري سينتصر على  الآخر.

إما التيار الثوري الذي لم ياخذ شكله النهائي…فمنه من استشهد، أو قتل،  أو هاجر،  أو  ُشرد أو نزح، أو أصيب بإعاقة جسدية،  أو اختفى في المعتقل، ومنه من تقاعس  وانهزم نتيجة الوضع المؤلم،  أو من انقلب على الثورة  بسبب اليأس،  أو من خرج بدافع العاطفة لكنه افتقر للوعي  الوطني الجيد ، فتشتت مواقفه بالانفعالات والأحاسيس العابرة.  ومنه، وهو الأهم والأجدر؛ من التحق  بالثورة مؤمنا عاقلا ومازال يقاوم بأمل  من أجل التغيير. هؤلاء من  يمكن ان يحققوا التغيير ويقودونه نحو الهدف؛ لكنهم .يحتاجون مرجعيّة  سياسية جامعة لهم يستندون عليها،  مبنية على اجماع فكري وسياسي.  لا مخرج،  إلا أن بتشكيل الإطار لقيادة المرحلة القادمة، لاسيما ان الثمن  المدفوع كان غاليا،  والتجربة كانت كبيرة، والمصير  الحتمي سيكون بين  خياري الحرية أو الخنوع.

التيار المضاد للثورة  بدأ منذ الثورة واتسع  معها كجزء من الثورة المضادة، ليحتوي الانتهازيين والمنتفعين والرماديين، بالإضافة إلى مؤيدي النظام وحلفائه، والمستفيدين من واقع الفوضى في الثورة والحرب، والذين جعلوا الثورة وسيلتهم  للكسب والانتفاع  لمصالح خاصة.

صمود تيار الثورة مرهون بقوة منظومته الفكرية والأخلاقية، وبالعمل السليم المشترك في المرحلة القادمة الحاسمة. التيار الآخر المضاد للثورة ، سيواجه خسارات قادمة كبيرة لأنّ التشبيح بهدف الغنائم قابل للانكسار بصراعات بينية على الغنائم والمكاسب،  ولأنّه يفتقر  لشرعيّة أخلاقيّة تعطيه استدامة، ولأنّه مرتبط بولاءات  متغيّرة غير مستقرة.

هناك من سيختار  أن يبقى مواليا للنظام ابتغاء مصالح فردية، أو لانتماءات عصبويّة،  وسيدخل في تناقض مع عموم الشعب.  وهناك من  سيستمر مواليا  لتركيا لكي ينال منها منفعة مالية أو سياسية، أو مواليا لقطر أو لروسيا أو لفرنسا أو لأمريكا..أو لإيران، وسيدخل في صراع مع الآخرين، عاجلاً أو آجلا.   لكن، هناك من يرى أنّ حرية سوريا واستقلالها هي أولويات سياسته وعمله،  ومن اجلها يبني التحالفات التكتيكية والصفقات  مع الأطراف المختلفة وفق أفق سياسي. هذا التيار الثوري  آن  أن يتبلور مساره النهائي. وسينجح لأنّه صاحب شرعيّة تاريخيّة.  المسألة تحتاج  ربما مزيدا من الوقت  للنضوج؛ لكنها حتما تحتاج كثيرا من العمل والالتزام المبدأي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

17 − three =

 
Top